في الآونة الأخيرة، كنت أطالع بعض الدراسات الأكاديمية الصادرة عن جامعتي ستانفورد وهارفارد، والتي أحدثت صدى واسعاً في عالم الإدارة، إلى جانب التقارير الأخيرة لشركات الاستشارات العالمية. كان الموضوع يدور حول ذلك المفترق الطرق الشهير الذي يواجه كل صاحب عمل، وكل شركة متوسطة أو كبيرة عاجلاً أم آجلاً: "هل يجب تصعيد الرئيس التنفيذي (CEO) من داخل الشركة أم استقطابه من الخارج؟"
إنني أعلم جيداً في ثقافتنا المؤسسية كيف يؤرق هذا القرار مضاجع أصحاب العمل، وكيف يصارعون مخاوف مشروعة تماماً عندما تحين هذه اللحظة. وتأتي الأبحاث لتؤكد هذه المخاوف، حيث تلتقي عند قاسم مشترك مفاده: * القادة الذين يتم تصعيدهم من الداخل* هم الخيار الأمثل للحفاظ على ثقافة الشركة وضمان استقرارها، لكنهم قد يبدون مترددين أمام التحولات الجrootية. وفي المقابل، فإن المهنيين المستقطبين من الخارج يمثلون دماءً جديدة، وجرأة استراتيجية، ونجاحاً مالياً سريعاً؛ ومع ذلك، فإن عملية تكيفهم مع البنية المؤسسية، أي مع ثقافة الشركة، تكون مؤلمة أحياناً.
وأنا أتفق تماماً مع هذا الطرح؛ فإذا كانت شركتكم تسير بانتظام وتودون الحفاظ على النجاح الحالي، فإن التعيين من الداخل هو الخيار الأصح. أما إذا كنتم في خضم أزمة، أو كانت الشركة بحاجة ماسة إلى تغيير جلدها بالكامل، فإن جلب قائد من الخارج هو الحل الأكثر منطقية.
ولكن، ثمة مسألتان حيويتان للغاية يتم إغفالهما وتجاهلهما هنا، وهما في الأساس القضية التي أريد طرحها في عمودي هذا.
أولاً: يجب أن تجعل الخيل مدربة ومؤهلة
سواء اخترتم شريك درب من داخل الشركة، أو قمتم باستقطاب نجم لامع من الخارج؛ إذا كان لديكم نظام قائم على الأشخاص والارتجال، ولم تتمكنوا من تأسيس منهجية محددة للإدارة واتخاذ القرار، فعلى شركتكم السلام. إن كل شركة تفتقر إلى الرقابة الداخلية، وآليات التدقيق، والاستراتيجية الواضحة، تظل حبيسة حدود الرؤية الشخصية للقائد الذي يقف على رأسها.
هناك مثل شعبي دارج يقول: "الخيل تجري على قدر ركابها". هذا صحيح، ولا اعتراض لدي عليه، لكنه ناقص. لكي تجري الخيل على قدر راكبها، يجب أولاً أن تكون هذه الخيل معافاة، وقوية، ومدربة. إذا لم تكن رؤيتكم واضحة، وأدواركم ومسؤولياتكم التشغيلية محددة، ومساراتكم وسياساتكم محدثة؛ فلن يتغير شيء حتى لو جلبتم أفضل رئيس تنفيذي في العالم. فعندما يُبنى النظام الصحيح، لا ينشغل القائد بالوحل التشغيلي اليومي، بل يكرس وقته لعمله الأساسي: الاستراتيجية والانطلاق بالشركة نحو المستقبل.
السم الخفي للرؤساء التنفيذيين: إرهاق القرار
لنأتي الآن إلى المسألة الثانية، والتي أعتبرها أكبر مأساة في عالم الأعمال اليوم. إن أكبر مشكلة تواجه كبار المديرين اليوم ليست عدم العثور على الوقت، وليست نقص المعلومات أو وجود المنافسين؛ بل هي أزمة خفية تنخر في جودة الإدارة من الداخل: إرهاق القرار (Decision Fatigue).
في الماضي، كان المديرون يشتكون من قلة البيانات والسير في الظلام، أما اليوم فنحن نعيش في عصر نقيض تماماً. بيانات مفرطة، ومؤشرات أداء (KPIs) تتدفق بلا انقطاع من الشاشات، ولوحات تحكم (Dashboards)، وتقارير لم تُنَقَّ فلاترها، ومئات الملفات التي يحمل كل منها ملصق "عاجل"...
والحقيقة هي: أن العقل البشري ليس مستودعاً غير محدود لاتخاذ القرارات؛ فكل قرار صغير تتخذه خلال اليوم يسرق من جودة القرار الذي يليه.
إذا ملأتم يوم الرئيس التنفيذي بالموافقات المجهرية، والأزمات التشغيلية، وإطفاء الحرائق؛ فلا يمكنكم أن تتوقعوا من هذا القائد اتخاذ قرارات مالية واستراتيجية سليمة تغير مسار الشركة. وفي نهاية المطاف، إما أن تُؤجل القرارات الحاسمة، وإما أن تُتخذ على عجل دون تفكير عميق. إن الشركات لا تفلس أو تتخلف عن الركب لأنها اتخذت قرارات خاطئة، بل لأنها لم تتمكن من اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب وبشكل واضح.
بصيرة تائهة بين جبال البيانات
تضخ الشركات ملايين الأموال في أنظمة التقارير والبرمجيات. والنتيجة؟ تنمو البيانات كالجبال، بينما تقف البصيرة والتحليل المعمق مكانها. إن القائد الذي يضيع بين التحليل المالي المكون من 30 صفحة للمدير المالي (CFO) والعرض التشغيلي للمدير التنفيذي للعمليات (COO)، يغفل عن السؤال الأكثر جوهرية: "ماذا سأفعل استراتيجياً بهذه المعلومة؟"
ولهذا السبب، تُلقى الموضوعات المستقبلية مثل التحول الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي أو الاستراتيجيات طويلة المدى دائماً في درج "الأعمال المؤجلة لحين توفر الوقت". وبذلك، يتحول الرئيس التنفيذي من قبطان يحدد الاتجاه، إلى رجل إطفاء يتفاعل بردود أفعال مع الأمواج التي تواجهه. علماً بأن القيادة العظيمة ليست هي التي تتخذ أكبر عدد من القرارات، بل هي القيادة القادرة على اختيار القرارات الاستراتيجية الأكثر صواباً.
الحل ليس في زيادة عدد التقارير
لا يمكننا الخروج من هذه الدوامة عبر عقد المزيد من الاجتماعات أو طلب تقارير أكثر ضخامة. الحل واضح ومحدد: إعادة تصميم هندسة القرار.
تحديد القرار الذي سيُحل عند أي مستوى إداري بشكل قاطع.
تصفية وفلترة عبء المعلومات المتدفقة إلى الإدارة العليا بنسبة 80% على الأقل، وترك الإشارات الحاسمة فقط لتصل إلى القائد.
دمج الذكاء الاصطناعي في النظام ليس كحمال يكدس البيانات فحسب، بل كمساعد استراتيجي يفسر الخيارات ويمنحها معنى.
باختصار شديد؛ لا يمكنكم اليوم رؤية الضرر الذي يسببه إرهاق القرار في الجداول المالية فوراً، لكنه مع الوقت سيطرق بابكم على شكل فقدان للاتجاه، وتخبط استراتيجي, وتراجع في الأداء. وفي منافسة اليوم، لن يكون الفائز هو الأسرع ركضاً أو الأكثر اتخاذًا للقرارات، بل الشركات التي تستطيع تقديم البيئة القرارية الأكثر صحة وبساطة لقائدها. إن الحفاظ على جودة قرارات رئيسكم التنفيذي هو أكبر ميزة تنافسية تمتلكونها الآن؛ فاحرصوا على إدراك ذلك.











