هناك بعض الأسئلة في الحياة العملية لا تُسأل بغرض تلقي الإجابة، بل بهدف الاستصغار. وسؤال "وما العمل الذي تقوم به أصلاً؟" هو أحد هذه الأسئلة. إذن، هل يُقاس ثمن العمل الذهني، والخبرة، وعملية الإبداع حقاً بالعرق المتصبب، أم بالسنوات الكامنة وراءه؟
يتعطل المحرك العملاق لسينة شحن ضخمة. ويبقى الجميع عاجزين عن حل المشكلة لأسباب أسابيع. تأتي فرق مختلفة، ويجتهد المهندسون، ويفحص الخبراء، لكن المحرك لا يشتغل أبداً. في النهاية، يستدعون شيخاً مسناً يتمتع بسنوات طويلة من التجربة.
يتجول المعلم بصمت حول المحرك، ويفحصه طويلاً. ثم يخرج من حقيبته مطرقة صغيرة جداً، وينظر بعناية إلى نقطة محددة من المحرك ويضربها بخفة ضربة واحدة فقط. فيبدأ المحرك في العمل على الفور.
عندما يقدم المعلم فاتورته البالغة 10,000 دولار، يسأل مسؤول الشركة بذهول:
"ما الذي فعلته يا رجل؟ لقد ضربت ببساطة مطرقة صغيرة. لماذا هذا الأجر مرتفع إلى هذا الحد؟"
إن رد المعلم يلخص قيمة العديد من المهن اليوم في جملة واحدة قوية تكفي وحدها:
"ضرب المطرقة يكلف دولاراً واحداً. أما معرفة المكان الذي يجب ضرب المطرقة فيه فيكلف 9,999 دولاراً."
اسم المعرفة والبراعة الحدسية: السافوار-فير (Savoir-Faire)
في الحقيقة، تحكي هذه القصة ما هو أبعد بكثير من مجرد محرك سفينة: إنها تحكي قيمة المعرفة، والخبرة، والجهد غير المرئي... وخاصة فيما يتعلق بالمهن الإبداعية.
إن مفهوم (Savoir-Faire) ذو الأصل الفرنسي يعبر تماماً عن هذا المعنى؛ فهو لا يقتصر على مجرد القدرة على إنجاز عمل ما، بل يشمل الحصيلة المعرفية المتراكمة على مر السنين، والحدس، والخبرة، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة.
هذا بالضبط ما يبرزه المصمم، أو الفنان، أو الكاتب، أو أي منتج ذهني. فالشيء الذي يقدمه ليس قلمه، أو حاسوبه، أو البرنامج الذي يستخدمه؛ بل هو الرؤية التي بناها طوال السنين.
ذلك المجال الوحيد الذي يبرع فيه الجميع
مع الأسف، هناك عادة غريبة وغير منصفة إلى حد بعيد في الحياة العملية.
عندما تدخل إلى غرفة العمليات، لا يجرؤ أي منا على قول "أيها الطبيب، أعتقد أنه يجب عليك القطع قليلاً من جهة اليسار" للجراح. ولا نملي على مهندس المكان الذي يجب أن يضع فيه عمود الإسناد. ولا نخبر طياراً بالارتفاع الذي يجب أن يطير به. لأننا نعرف جيداً معنى التخصص في تلك المجالات.
لكن عندما يتعلق الأمر بالتصميم والإنتاج الإبداعي...
يتحول الجميع فجأة إلى خبراء.
ويتحول الجميع إلى مخرجين فنيين.
تتطاير في الهواء جمل مثل: "دعنا نكبر هذا قليلاً، فلنجعل هذا أحمر اللون، لو كنت مكان لما رسمت هكذا، فهذا عمل لا يستغرق سوى خمس دقائق أساساً..."
ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن العمل الذهني غير مرئي مادياً. لأن الناس يتركون النتيجة فقط ولا يمكنهم رؤية العملية.
إنهم لا يرون عدد الأيام التي تم قضاؤها في البحث من أجل تصميم واحد، ولا كم عدد الأفكار المختلفة التي أُلقيت في سلة المهملات، ولا كم مرة تم البدء من الصفر، ولا كم ليلة قُضيت بلا نوم فقط من أجل حل تفصيل واحد. إنهم يرون فقط ذلك الخط الوحيد في النهاية. ومع ذلك، فإن ذلك الخط هو غالباً الخلاصة المُقطّرة لمئات الاسكتشات الفاشلة، وعشرات التعديلات، وسنوات طويلة من التجربة.
العالم الخفي الكامن وراء خاتم
دعونا نتناول تصميم قطعة من المجوهرات. الشيء الذي يظهر للعيان من الخارج ربما لا يعدو كونه بضعة غرامات من الذهب وبضعة أحجار.
لكن قبل أن يرى ذلك المنتج النور، يتم إجراء تحليلات للاتجاهات، ويتم التفكير في هوية العلامة التجارية، وتقييم تقنيات الإنتاج، وحساب التكاليف. وتُحدد قياسات الأحجار؛ ويُؤخذ في الاعتبار الصب، والتثبيت (المُحلمة)، وراحة الاستخدام. بل ويتم حساب كيف سيبدو على الأرفف، وكيف سيظهر في واجهات العرض، وحتى ما إذا كانت موضته ستنتهي بعد سنوات أم لا.
في نهاية كل هذا، لا يتبقى سوى خاتم واحد فقط. وينظر الناس إلى ذلك الخاتم؛ لا إلى التصميم، ولا إلى العملية، ولا إلى السنوات التي أُهدرت... بل يرون النتيجة فقط.
ثم يأتي ذلك السؤال المألوف: "وما العمل الذي تقوم به أصلاً؟"
التفكير أيضاً هو جهد
هذا السؤال لا ينبع غالباً من الفضول، بل من الرغبة في التقليل من قيمة الجهد. بعض الناس يقيسون العمل بالقوة البدنية وحدها؛ فإن كان هناك عرق يتصبب فهناك جهد، وإن كان هناك غبار يتطاير فقد تم إنجاز عمل. أما الشخص الذي يجلس خلف المكتب يفكر، ويبحث، ويرسم، أو ينتج، فهو بالنسبة لهم غالباً "مجرد جالس".
مع ذلك، فإن إرهاق العقل أعمق بكثير من الإرهاق البدني. محاولة حل مشكلة واحدة لساعات، والبحث عن الخيار الأدق من بين مئات الخيارات، وتخيل شيء غير موجود بينما لا يوجد أي شيء في الواقع... هذه أيضاً جهود. بل هي الأهدأ، والأكثر خفاءً، والأثقل وزناً.
يُرس أحياناً تصميم في غضون بضعة ساعات؛ ولكن ما جعل تلك الساعات البسيطة ممكنة هو خمس عشرة سنة من الخبرة. تماماً مثل قدرة الشيخ المسن على ضرب المطرقة في المكان الصحيح من المحاولة الأولى... فالقيمة ليست في الدقائق التي أُنفقت، بل في السنوات التي جعلت الوصول إلى تلك الدقائق ممكناً.
الكلمة الأخيرة: البراعة الكامنة بين خطين
الإبداع ليس مجرد إخراج منتج إلى الوجود؛ بل هو تحويل فكرة خفية في ذهنك إلى شيء حقيقي يمكن للبناس لمسه. إنه الخلق من العدم.
ورربما يكون هذا هو الأثر الأكثر معنى الذي يمكن أن يتركه الإنسان وراءه.
لهذا السبب، عندما يلتفت إليك أحدهم ذات يوم ليقول: "لقد رسمت خطين فقط"، إياك أن تحاول شرح نفسك.
فقط ابتسم.
لأنك وحدك من تعرف عدد السنوات الكامنة وراء هذين الخطين. وأحياناً، تختزل براعة الإنسان بأكملها تماماً داخل هذين الخطين.








