في عالم المجوهرات، وفي التصميم، وفي جوهر فكرة التصميم نفسها…
منذ فترة، يدور السؤال ذاته داخل هذا القطاع.
في الورش، في ممرات المعارض، أثناء استراحات القهوة.
لا أحد يرغب في طرحه بصوتٍ عالٍ، لكنه حاضر هناك دائماً:
هل يوشك عصرٌ ما في عالم المجوهرات على الانتهاء؟
عندما ننظر إلى السنوات الخمس أو الست الماضية، نرى أن العالم دخل في وتيرة متسارعة بشكل غير مسبوق. توقّفنا مع الجائحة، اهتززنا بالحروب، واختل توازننا مع التقلبات الاقتصادية. ارتفع الذهب، ارتفعت العملات، وارتفعت التكاليف. لم ترتفع الأرقام وحدها، بل ارتفع معها منسوب عدم اليقين. ووجد قطاع المجوهرات نفسه في قلب هذه الدوامة.
بالنسبة للمنتج، المشهد مألوف: الطلب يتقلص، المخاطر تتزايد، واتخاذ القرار يصبح أكثر صعوبة.
لكن ربما ما نعيشه اليوم لا يشير إلى نهاية، بل إلى اتجاهٍ آخر.
البريق لم يختفِ، بل تغيّر مكانه
لم تكن المجوهرات يوماً غريبة عن الأزمات. شهدت حروباً، ومجاعات، وهجرات. في أوقاتٍ تقاسم الناس الخبز، وفي أوقاتٍ أخرى باعوا خواتمهم. ومع ذلك، ظلت المجوهرات دائماً حاملةً للمعنى. رمزاً للقوة، والارتباط، والذاكرة، والصمود.
ما تغيّر اليوم ليس وجود المجوهرات، بل طريقة النظر إليها. لم تعد مجرد مظهرٍ أو ترف، بل باتت قصة. لم يعد الوزن وحده هو المتكلم، بل الحِرفة أيضاً. أمام كمال الإنتاج المتسلسل، يبرز الطابع والهوية. الناس لم يعودوا يسألون “كم؟” بقدر ما يسألون “لماذا؟”.
اعتراف واقعي في زمن السرعة
لنتحدث بصراحة. نحن نعيش في عصر الاستهلاك السريع. العالم، إلى حدٍ كبير، يعمل بمنطق “اشترِ، استخدم، واستبدل”. المنتجات الجاهزة متاحة، جميلة، وغالباً بلا عيوب. الإنتاج المتسلسل ليس أمراً سلبياً، بل هو استجابة قوية لمتطلبات هذا العصر.
وبوصفي مصمماً، لا أنكر ذلك. أنا أيضاً أختار وأنتقي وأشتري منتجات جاهزة تناسبني. ونعم، هي جميلة جداً.
ولهذا تحديداً، فإن الدفاع عن الحِرفة ليس رومانسية سهلة. إنه يتطلب إصراراً. لأن الحِرفة ليست بديلاً عن السرعة، بل مساحة تقع خارجها. لا تخاطب حاجة الجميع، بل رغبة البعض. وبينما يدير الإنتاج المتسلسل عجلة العالم، تضيف الحِرفة معنى لما يدور.
التميّز وسط الوفرة
التكنولوجيا تتقدم بسرعة مذهلة. الذكاء الاصطناعي يصمّم، والخوارزميات تحدد الاتجاهات، والأذواق تتغير في لحظة. في هذا النظام، يصبح الإنتاج الجاهز أمراً طبيعياً وضرورياً ولا مفر منه. لكن وسط هذا التعدد، يبرز العمل البطيء لأنه أصبح نادراً.
وهذا ليس تناقضاً. العالم الرقمي ليس عدواً للحِرفة، بل مصفاة لها. حيث تتشابه الأشياء، يصبح الجهد واضحاً فوراً. القطعة التي تحمل قصة تبقى في التداول مدة أطول. وحين تُفتح أبواب الورش على الإنترنت، يصبح المنتج الصغير قادراً على مخاطبة العالم.
إذا كان هناك اتجاه يتغيّر
نعم، قد يكون نظامٌ اعتدنا عليه في طريقه إلى الزوال. لكن هذا لا يعني نهاية المجوهرات، أو التصميم، أو المصمم. بل يعني تفكك المسلّمات القديمة.
الفهم القائم على بيع “المنتج” فقط يفسح المجال لاتجاهٍ آخر، حيث يتحدث المعنى، والموقف، والجهد المبذول.
هذا الانتقال ليس سهلاً. لأن البقاء في عالم جديد بعادات قديمة أمرٌ شاق. لكن الأزمات لا تقتل الإبداع. بل تضغط عليه. ومع الضغط، نميل إلى التبسيط. ومع التبسيط، نصبح أوضح.
أين يكمن الأمل؟
المجوهرات ليست حاجة بقدر ما هي شاهد. في لحظات التحول في الحياة، لا يزال الناس يرغبون في تجسيد شيءٍ ملموس: ولادة، فقدان، رابط، ذكرى. وهذه لا تختفي تماماً من أي معادلة اقتصادية.
وفوق ذلك، فإن المستهلك اليوم أكثر وعياً. يريد أقل، لكن أفضل. يبحث عن أعمال أكثر خصوصية، وأكثر أصالة، وأكثر صدقاً. وهذا يعني أن هناك ما يزال مجالاً قوياً للمصمم.
وأحياناً، تكون أكثر الفترات ظلمة هي التي تولد فيها أكثر الأعمال صدقاً.
ربما ليست المسألة ما الذي ينتهي،
بل ما الذي نحرص على ألا نتركه خلفنا ونحن نتغيّر.








